الحبّ الأبوي هو القيمة الإنسانية التي تُسقى بذورها قبل الولادة. فالأم تبدأ بتبادل مشاعر الحب مع جنينها وهو لا يزال في رحمها، تتكلم معه على اشتياقها لاستقباله في هذا العالم، وعند الولادة يتبادل الوالدان الحب مع

رضيعهما من خلال الابتسامات والاحتضان والتحدّث إليه، وإن كان لا يتكلم، فهو يشعر بعاطفتهما، وليس أجمل من جواب «أنت ثمرة حبنا» عندما يكبر الطفل، ويبدأ بطرح الأسئلة عن كيفية مجيئه إلى هذا العالم. 
فالحب هو الغذاء الأساسي الذي يُنشئ أبناء أصحّاء، يتمتعون بتوازن عاطفي وذكائي واجتماعي، فضلاً عن شعورهم الدائم بالتفاؤل، والنظرة الإيجابية إلى محيطهم.


وتشير كل الدراسات والأبحاث الطبية إلى أهمية تلبية الحاجات العاطفية عند الأطفال، نظرًا إلى أثرها الإيجابي في نمو الدماغ. فكل هذه الأبحاث العلمية تقود إلى النتائج نفسها، وهي أن العلاقة المثالية والمتعاطفة، والحامية، والمحبّة تتكشف شرطًا أساسًا وأصيلاً للسماح للدماغ بأن يتطوّر على النحو الأمثل وبلورة المهارات الوجدانية، مثل التعبير عن المشاعر، والملكات الاجتماعية والفكرية، أي الذاكرة والتعلّم والتفكير. إذًا، الحب هو المسألة الأساسية في التربية، ومن الضروري تعليم الطفل كيف يحب وكيف يكون محبوبًا من الآخرين. 
وأثبتت كل الدراسات تقريبًا أن التربية بالحب لا تتعارض مع صورة الوالدين ودورهما، بل تُكسب الطفل شعورًا بالأمان والطمأنينة والانتماء والدفء.
وبذلك يبني ثقة قوية بالنفس ويكوّن صورة جيدة عن ذاته. أما بالنسبة إلى المراهق فتخفّف عنه الشعور بالضياع فنراه أكثر توازنًا، وبالتالي قادرًا على بناء شخصية مستقلة بشكل أسهل. 
وفي كل المراحل العمرية، نجد أن الطفل القادر على إظهار مشاعر الحب والتفاعل مع طاقتها الإيجابية يعيش في بيئة تمنحه الكثير من الحب والاهتمام. وقد لاحظت الأبحاث النفسية أن المراهق الذي ترعرع في جو تربوي فيه الكثير من الحب، تنعدم لديه السلوكيات السلبية مثال السرقة والاعتداء وإضاعة الوقت، إلى جانب إدراكه للمخاطر وتمييزه بين الصواب والخطأ، ويكنّ احترامًا كبيرًا لأهله وللآخرين.
ولهذا نرى أن المراهقين الواثقين بأنفسهم، والذين يتمتعون بشخصية متوازنة، والقادرين على الابتعاد عن السلوكيات السلبية، وتنظيم أوقاتهم، ووضع أهداف يسعون إليها، هم الذين يعيشون في محيط عائلي ممتلئ بالحب، ولا سيما حب الوالدين. 
وفي المقابل، هناك خيط رفيع بين حب الأهل المنطقي الواقعي، والحب الذي يتحوّل إلى دلال مفرط، فيجعل الابن ديكتاتورًا يبتز والديه باسم الحب، فإما أن يخضعا لرغبته ويحقّقا طلباته من دون قيد أو شرط، أو العصيان.
إذًا، هناك فارق كبير بين أن ينشأ الأبناء على مفهوم الحب، والمبالغة في تدليلهم بحجة الحب، الذي لا يعني مثلاً أن نتركهم يعيشون على هواهم، ونسمح لهم بتخطي القوانين المنزلية، أو نخضع لرغباتهم مهما كانت، فهذا ليس حبًا وإنما إفراط في الدلال الذي يُنشئ طفلاً متعنتًا ومتلسطًا.
وأحيانًا قد يتحوّل حب الوالدين المبالغ فيه، والذي يُقصد منه حماية الطفل، إلى طوق يخنق هذا الأخير ويجعله غير قادر على مواجهة مصاعب الحياة ومشكلاتها.
لذا، للحب الأبوي مفاتيح تعبّر عن حب الآباء، وتوطّد العلاقة بينهم وبين والأبناء، وتجعلهم أكثر تعاضدًا وتواصلاً مع بعضهم البعض.
فمحبة الآباء لأبنائهم، ليست فقط بتعبيرهم الدائم عن الحب المتبادل، وإنما من خلال أسلوب تربوي، ينشئ الأبناء في جو عائلي صحي، يمنحهم مفاتيح الحياة الواقعية، وهو قمة الحب المنطقي والواقعي. وهذه المفاتيح هي:

مشاركة الأبناء عظمة الحياة 
ما من شكّ في أن الجميع في هذا العالم عُرضة للخطر والمشكلات، ولكن في الوقت نفسه تقدّم لنا الحياة الحب، الذي نحتاج إليه جميعًا وسيلة لنشعر أكثر بالأمان في مواجهة المجهول.
لذا فإن مشاركة الأهل لأبنائهم هذه المشاعر تكون وسيلتهم ليفهموا الحياة بحلوها ومرّها، أي أن الحياة ليست وردية دائمًا، بل من الممكن أن نواجه صعابًا ومشكلات، ولكن هناك دائمًا وسيلة للتغلّب عليها، وهي العودة إلى الأهل الذين يناصرون أبناءهم ويساندونهم في أي مشكلة يواجهونها. فشعورهم بالحب الذي يكنّه لهم أهلهم، يجعلهم يستمتعون بالحياة، ويعطيهم أدوات يستعملونها حين يشعرون بالخوف والكرب والألم.

مساعدتهم على التعبير شفهيًا عن مشاعرهم 
من الضروري أن يكون الطفل قادرًا على تجربة كل المشاعر، سواء كانت إيجابية أو اجتماعية ينظر إليها على أنها «سلبية». فمن المهم أن يتذكر الأهل أن مشاعر الحياة اليومية هي كنوز، ويشرحوا لطفلهم أنها طبيعية حتى لو اتخذت أحيانًا بعدًا عدائيًا، وأن هذه المشاعر ضرورية للانفتاح الشخصي.
لذا، من المهم أن يتحدث الوالدان إلى أطفالهما عما يشعرون به ويحفزانهم على التعبير عنه بالكلمات. فإذا تطوّرت لديهم ملكة التحدّث عما يخالجهم من مشاعر، سواء كانت إيجابية أو سلبية، فإنهم بمجرد التحدّث عنها سوف تطور لديهم القدرة على التفريق بين الغضب واليأس، وخيبة الأمل من الحزن. وبالتالي سيتعلمون السيطرة على عواطفهم وإدارتها، والتعبير عنها بشكل مناسب.

تعليمهم رعاية أنفسهم 
من المفيد جدًا أن يشارك الأبناء في الأعمال المنزلية. فمنح الابن بعض المسؤوليات والسماح له بالقيام بالمهمّات البسيطة مثل شراء الخبز وحده، واختيار الفواكه أثناء مرافقته والدته إلى السوبرماركت، فهذه الأعمال، وإن كانت سهلة سوف تعزّز لديه الشعور بالمسؤولية، وحس الاكتفاء الذاتي، وبالتالي الثقة بالنفس. فترتيب الغرفة، وتوضيب الألعاب، ومساعدة الوالدة في تحضير مائدة الطعام، وغيرها من الأعمال المنزلية، سوف تُشعر الأبناء بأهمية ما يقومون به، ويتعزّز لديهم احترام بعضهم البعض، واحترام المحيطين بهم، كما أنها توطد العلاقة العائلية.
كذلك يمكن الأهل مشاركتهم فكرة أهمية العناية بالجسم، وجعلهم يدركون أن جسمهم أداة قيّمة جدًا، وبالتالي يجب الاهتمام به لناحية النظافة والغذاء والراحة، أي احترامه.

إظهار إبداعهم
نعيش في عصر غالبًا ما نتجاهل فيه قوة تأثير الفن في الحياة اليومية. ومع ذلك، تُظهر غالبية الدراسات أن الموسيقى، والإيقاع، والرقص إلخ… هي لغات عالمية، تساهم في تطوير الإنسان وتعلّمه السيطرة على جسمه بطريقة واعية ومتوازنة.
لذا فإن ممارسة أي نشاط فني في حياة الطفل اليومية سوف تسمح له بالتطوّر الصحي والنفسي، ولا سيما على المستوى الحركي- النفسي. ولكي تروق للطفل النشاطات الفنية أو الترفيهية التي يقوم بها، ولتمتين الروابط بينه وبين والديه، على الوالدين تعزيز شعوره بالحرية مع كل حركة يقوم بها.
توفير محيط يضم أشخاصًا يشكّلون نماذج جيدة لمصلحة الطفل النفسية والذكائية، من الضروري أن يوفّر الأهل محيطًا اجتماعيًا حيث يمكن الأبناء تبادل لحظات، وخبرات مع أناس أذكياء، وشجعان وأقوياء وموهوبين وصادقين، يلهمون الأبناء، ويغرسون فيهم القيم الأساسية.
كما يمكن الوالدين مشاركة الأبناء سيرة حياة شخصيات عظيمة في التاريخ: كيف عاشوا، وكيف حققوا أهدافهم، وأهمية جمالهم الداخلي، وأن الموهبة الحقيقية والعظمة موجودتان داخل كل إنسان ولا تقتصران على مظهره الخارجي.
وبالتالي فإن توفير هذا النمط من البيئة الفكرية والاجتماعية هو شكل من أشكال الحب الأبوي، فالأبناء يشعرون بالقيم المعنوية التي يعمل الأهل على غرسها في نفوسهم من خلال جلوسهم معهم وتبادل خبراتهم وتجاربهم، والتشديد على أهمية وجودهم بالنسبة إلى أهلهم.

تعليم الأبناء عبارات الشكر والامتنان
من المعلوم أن الإنسان بعامة تُحدّد شخصيته من خلال قدراته الاجتماعية، لذا يملك الأهل كل الأدوات التي يمكن أن تساعد الأبناء على التمتع بشخصية لبقة ومحبوبة اجتماعيًا.
قول «شكرًا لك، ورجاءً» هو الهدية اليومية. فتعليم الأهل أبناءهم اللباقات الاجتماعية، وكيفية مساعدة الآخرين والتضامن معهم واحترامهم هو جوهر تكوين شخصية راقية، محبِّة ومحبوبة في آن.
كما من الضروري تعليم الأبناء أهمية التعاون وإظهار الجانب السلبي من الأنانية أو الحاجة المستمرة لإرضاء الرغبة الخاصة وإن كانت على حساب الآخرين.